1. الخصائص المناخية والإنسان:
يظهر التأثير المباشر وغير المباشر للخصائص الطقسية والمناخية على الإنسان من خلال التباين الكبير والواضح بين المجموعات البشرية على سطح الأرض في الشكل واللون والانشطة التي تمارسها, إذ أن الظروف المناخية هي العامل الرئيسي والمحدد في اختلاف نمو جسم الإنسان وشكله, فالخصائص المناخية الحارة والرطبة حددت نمو وشكل المجموعات البشرية القصيرة القامة اولاً، وذوات اللون الاسود ثانيا, فضلا عن نشاط سريع في نمو الأجهزة والغدد في جسم الإنسان مقارنة مع المناطق ذوات الخصائص المناخية الباردة أو المعتدلة والتي حددت من طبيعة نمو عدد من الاجهزة والغدد والتي تكون اقل نشاطاً.
وتشير الدراسات في هذا الجانب إلى أن تأثير الخصائص الطقسية والمناخية ووفق ما وصل إليه العلم بأن تأثير الخصائص الطقسية والمناخية لم يقتصر على المظهر الخارجي للكائنات الحيوية وإنما في داخل أنسجتها فقد ثبت علميا بأن كل من الرئتين والقلب وعدد من اعضاء الجسم الداخلية للإنسان تتباين بين المجموعات البشرية وفقا لأختلاف تلك التأثيرات, إذ يكون حجم وتركيب كل منهما عند سكان المناطق الحارة اكبر حجما بسبب قلة الاوكسجين وزيادة نسبة بخار الماء و الرطوبة والذي يتطلب إن يكون حجم كل منهما اكبر لاستعاب كميات كبيرة من الهواء للحصول على نسبة من الاوكسجين تلبي احتياجات الجسم مقارنة مما هو عليه عند سكان المناطق الباردة والتي تكون الرئتين اقل حجما لقلة بخار الماء في الهواء اولاً زيادة نسبة الاوكسجين في الهواء ثانيا.
كما يظهر تأثير الخصائص الطقسية والمناخية على نشاط الإنسان وتفكيره, إذ أن الارتفاع في الحرارة واقترانه بالرطوبة يؤديان إلى الخمول والكسل وبالتالي قلة فعالية ونشاط الإنسان في مثل هذه المناطق مقارنة مع سكان المناطق المعتدلة والباردة, وهذا ما عكس ويعكس ما وصلت إليه هذه المناطق من تطور علمي كبير وسريع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية والذي رافقه استغلال كبير للمصادر الطبيعية وبالتالي تطورها اقتصادياً مقارنة مع سكان مناطق العروض الاستوائية وشبه الاستوائية والحارة والتي لا تزال تعاني من التخلف نتيجة لخصائصها المناخية.
ويظهر تأثير الخصائص الطقسية والمناخية أيضا في تنوع مصادر الامراض والاوبئة و فيما تصاب به المجموعات البشرية من امراض وفقا لتنوع تلك الخصائص في البيئة, إذ تنتشر في المناطق الحارة والرطبة امراض عديدة كالملاريا والحمى الصفراء والتراخوما، في حين يتعرض سكان المناطق الباردة والقطبية منها خصوصا إلى الاصابة بأمراض فقر الدم (الانيميا) وعسر الهضم وليونة العظام Richest والذي يظهر عند الاسكيموبسبب النقص في قيم الاشعاع الشمسي الواصل إلى الارض في مناطقهم, أن هذا التنوع في الخصائص الطقسية والمناخية دفع بعدد من المتخصصين في علم المناخ إلى ضرورة التخصص في هذا الجانب الحيوي والمهم في حياة الإنسان، فظهر فرع مهم من فروع الجغرافية وهو الجغرافية الطبية Medical Geography , والذي يتناول هذه الجوانب للتأثيرات الطقسية والمناخية والاستفادة مما توصلت له العلوم الاخرى وفي مقدمتها علم الطب وفروعه الأخرى في ذلك, إذ يؤكد المتخصصون المناخيون على هذه الجوانب وتأثير اختلافها في انتشار الامراض والاوبئة وتوزيعها جغرافيا دون الدخول في التفاصيل، أذ أن جوانب العلاج فيترك للمخصصين في علم الطب.
2. المناخ والزراعة:-
ترتبط الحياة النباتية الزراعية ارتباطاً وثيقاً بعناصر الطقس والمناخ نمواً ونضجاً وانتاجاً فقد تنوعت وتوزعت المحاصيل الزراعية وفقا للخصائص الطقسية والمناخية.
وتؤثر عناصر الطقس والمناخ من إشعاع شمسي, حرارة، رياح، رطوبة, وامطار, على نمو المحاصيل الزراعية بدأ من مرحلة الإنبات والنمو مروراً بالنمو الخضري والنضج وحتى الإنتاج والتسويق , فضلا عن اختلاف مواسم زراعتها, فعلى الرغم من التقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان من تطور فيما يتعلق بجوانب العمليات الزراعية, وتوفير ظروف طقسية ومناخية اصطناعية للنمو والإنتاج, إلا أن ذلك لم يستطع من التحكم بمجمل تلك الظروف الأعلى نطاق ضيق,حيث بقيت ولازالت تلك الظروف هي المتحكم الرئيسي في المناطق التي تتطلب توسعا في المساحات المزروعة والإنتاج تلبية للزيادة المضطردة في السكان, وما يرافقه من احتياجات للمحاصيل الزراعية بشكل عام والغذائية بشكل خاص.
ويظهر التأثير للخصائص الطقسية والمناخية في نجاح أو فشل أو عدم زراعة عدد من المحاصيل الزراعية في مناطق واسعة في العالم, فلا تزال الخصائص المناخية الحارة والرطبة هي المتحكمة في عدم نجاح زراعة المحاصيل الستراتيجية وفي مقدمتها القمح, أذ أن ارتفاع الحرارة واقترانها بالرطوبة والامطار الغزيرة عوامل محددة في زراعتها, في حين عجز الانسان بالرغم مما حققه من تقدم علمي في نقل وزراعة المحاصيل المدارية (كالكاو والمطاط او الرز) إلى المناطق ذوات الخصائص الطقسية والمناخية الباردة أوالمعتدلة, كما أن زراعة عدد من المحاصيل الزراعية في غير مواسمها بقي مقتصراً على مساحة محدودة اولاً وقلة وتدني الانتاج ونوعيته ثانياً, فضلا عن ما يرافق ذلك من ارتفاع اسعارها لما تتطلبه العمليات الزراعية الصناعية ثالثا, لذلك فأن الزراعة بعملياتها المختلفة ونوع المحاصيل ونضجها وانتاجها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الخصائص الطقسية والمناخية, وبشكل خاص في المناطق الزراعية التي تعتمد محاصيلها الزراعية على احتياجات ومتطلبات محددة من الحرارة او الري, اذ يؤدي النقص او التذبذب في قيم الامطار الساقطة إلى تعرض المساحات المزروعة إلى التناقص مساحةً وإنتاجاً, كما يحدث ذلك في أكثر المناطق الجافة وشبه الجافة في كل من قارة استراليا, الهند, شمال افريقيا, مناطق الشرق الاوسط, في حين يحدث العكس في أن تأثير المناخ في المناطق التي تتعرض لظواهر طقسية ومناخية قاسية والتي تعرض سكانها إلى المجاعات من خلال حدوث الفيضانات المدمرة والاعاصير والذي يتزامن مع زراعة المحاصيل في ضمن تلك المناطق, ووفق ذلك فأن التغيرات الطقسية والمناخية لازالت وستبقى عوامل اساسية يصعب فيها التنبؤ او التحكم بها، وبالتالي صعوبة وضع الخطط الاقتصادية الزراعية حيث لازال الانسان عاجزا في وضع الحلول الآنية والمستقبلية لما تشهده الكرة الارضية من تغيرات طقسية ومناخية.
وبالرغم مما قام به الانسان من تعديل للظروف المناخية محلياً او في استنباط فصائل وانواع لعدد من المحاصيل الزراعية تتحمل الجوانب من عناصر الطقس والمناخ, إلا أن تلك الجهود لا زالت محدودة بحكم صعوبة التحكم بها وأن تأثيراتها لا ترتبط في ضمن المكان أو المنطقة التي تزرع فيها تلك المحاصيل لتداخل العوامل المحددة للخصائص الطقسية والمناخية والتي تقع خارج حدودها.
3. علاقة الطقس والمناخ بالصناعة:-
تعتمد الصناعة بعملياتها المختلفة على ما توفره البيئة من مواد أولية (زراعية, نباتية, معدنية) لقيامها وتطورها, إذ أن تلك المواد لا يمكن الحصول عليها لقيام أي مشروع صناعي دون أن تتوفر الظروف المناخية التي تحدد توفرها, وقبل الشروع في تحديد موقع صناعة معينة فأن ذلك يتطلب دراسة مسبقة لخصائص الموقع مناخيا,فالحرارة كعنصر مناخي يتحكم في تحديد طبيعة المواد التي يعتمد عليها المشروع الصناعي عند إنشائه اولاً ونشاط الإنسان ثانياً, فضلا عن تحكم عنصر الحرارة بعناصر المناخ الأخرى والتي تؤثر على عمليات الإنتاج والتصدير, وهذا ما يظهر من تحكم للظروف الطقسية والمناخية بشكل واضح في قيام الصناعات الغذائية التي تعد أهم الصناعات في حياة الإنسان اليومية والتي من خلالها يتم توفير المتطلبات الغذائية المباشرة والسريعة الاستهلاك.
فضلا عن ذلك فان تركز مثل هذه الصناعات يعتمد اعتماداً اساساً على موادها الاولية (زراعية, نباتية, حيوانية), وهذا ما يظهر أيضا من توطن صناعي لمثل هذه الصناعات في المناطق المعتدلة مناخيا, كما أن مثل هذه الصناعات تتطلب ليس فقط توفر المواد الاولية هذه وانما تتطلب ظروفاً طقسية ومناخية (يومية او فصلية) ترافق عمليات الانتاج والتصدير, في حين تتطلب الصناعات النسيجية (صناعات الغزل والنسيج) ظروفا طقسية ومناخية لنجاح عمليات الانتاج والتصدير تختلف عما هي عليه في الصناعات الغذائية, وهذا ما يظهر في تحديد المواقع الصناعية لها,كما في اختلاف مواقع صناعة غزل ونسيج القطن وصناعة وغزل نسيج الصوف, إذ أن نجاح قيامهما (نوعية وانتاجا) يتطلب توفر موقعا صناعيا تتوفر فيه نسبة عالية من الرطوبة في الاولى, في حين يتطلب الموقع الصناعي للثانية اقترانه بالجفاف, وهذا ما حدد من تركز أقدم المصانع واكثرها واجودها انتاجا في بريطانية.
فقد تركزت صناعة القطن في مقاطعة (لانكشاير) في غرب انكلترا والذي تتوفر فيه الرطوبة, وذلك لسيطرة الرياح الجنوبية الغربية الرطبة (الثابتة), في حين تركزت صناعة الانسجة الصوفية في مقاطعة (يوركشاير) والتي تقع جغرافيا إلى شرق مرتفعات (أبنين) حيث تقل فيها الرطوبة اولاً, وأن الرياح التي تجتاز المرتفعات وتهبط من القمم الجبلية فترتفع حرارتها اديباتيكيا وجفافها ثانياً.
وتؤثر الخصائص المناخية في تحديد شكل وطبيعة مصادر الطاقة وبالتالي المواقع الصناعية, إذ حددت المواقع الصناعية للصناعات الثقيلة (التحويلية, البتروكيماوية) وغيرها من الصناعات وفقا لتوفر مصادر الطاقة وفي مقدمتها البترول والذي توزع جغرافياً وفقاً للخصائص المناخية الجافة وشبه الجافه, فضلا عن ذلك فأن الخصائص المناخية تتحكم في تحديد مدى نجاح المشروع الصناعي او فشله, فأن وجود مشاريع صناعية في ضمن مناطق ذوات خصائص مناخية منخفضة الحرارة يتطلب توفير وسائل تبريد وتكييف سواء للمنشآت الصناعية أم للعاملين فيها, مما يؤدي ذلك إلى زيادة الكلف الاقتصادية وما يترتب على ذلك من زيادة أسعار منتجاتها, فضلا عن أن تحديد مواقعها وفي ضمن تلك المناطق يجعلها تخضع لما يترتب على الخصائص المناخية من انخفاض الحرارة خلال الفصل البارد وتجمد مياه الموانئ التي تقع بالقرب منها وما يرافق ذلك من تأثير على عمليات استيراد المواد الاولية أم في عمليات التصدير.
وقد أزداد تأثير الخصائص المناخية على مصادر الطاقة في الوقت الحاضر بعد أن بدأت المصادر الاولية في العمليات الصناعية تتعرض إلى ارتفاع اسعارها اولاً, وما يرافق استغلالها من تلوث للبيئة ثانياً, مما دفع ذلك البحث عن مصادر بديلة للطاقة وتطورها وفي مقدمتها (الطاقة الشمسية, وطاقة الرياح), إذ تعرض ويتعرض المصدر الرئيسي في الصناعة وهو البترول إلى التذبذب في الانتاج وارتفاع أسعاره, فضلا عن ما رافق ويرافق ذلك من مشكلات عالمية والتي اهمها مشكلة التغير المناخي وظهور عدد من المشاكل البيئية مثل (الاحتباس الحراري,استنزاف أو تآكل طبقة الاوزون, الامطار الحامضية), ولذلك فقد اصبحت الخصائص المناخية متحكمة في تحديد المواقع الصناعية والمواد الاولية التي تعتمدها والنواتج التي ترافق انتاجها والتأثيرات التي تعكسها.
4. علاقة علم الطقس والمناخ بعلم الهايدرولوجيا:-
تؤثر الخصائص الطقسية والمناخية على ما يتوفر في البيئة من موارد مائية سواء كانت سطحية منها أم جوفية, وقد كان الاهتمام في ضمن هذا الحقل يدخل ضمن اهتمام الهايدروجين الا أن ذلك في الحقيقة يدخل في صلب اهتمام الجغرافيين, فقد تحكمت وتتحكم عناصر المناخ في تحديد مصادر تغذية الموارد المائية اولاً، وتوزيعها الجغرافي ثانياُ, فضلا عن تأثيراتها ثالثاً, ولذلك أصبحت مشكلة الموارد المائية تدخل في ضمن اهتمام فرع مهم من فروع علم المناخ المائي Hydro-climatology والذي يتضمن دراسة تحليلية للخصائص المناخية في العالم وتأثيرها على ما يستلم من تساقط (امطار, ثلوج) على مناطق أو مصادر تغذيتها, وتحديد قيم تصريفها, وتوزيعها جغرافيا, كما أن التنبؤ فيما ستكون عليه عناصر الطقس والمناخ وما ينتج من مشكلات بيئية وتأثيرها على ما سيكون عليه المناخ مستقبلا, وبالتالي ما ستكون عليه مصادر الموارد المائية وتلوثها وتأثيراتها المستقبلية والتي كلها تدخل في ضمن اهتمامات علم المناخ المائي.
ووفق ما تقدم أعلاه فأن التطور العلمي الذي رافق مجالات دراسة علم الطقس والمناخ لا تدخل في ضمن التأثيرات المحدودة,والتي تطرقنا عنها , إذ تعددت فروع جوانب دراسته وتخصصاته فمنها من يدخل في تناول الرصد الجوي وعمليات التنبؤ الجوي ووضع النماذج المناخية، فضلا عن دخول المتخصصين في علم الطقس والمناخ الجوانب التطبيقية لما تم التوصل له نظريا في الطقس او المناخ فظهر علم المناخ التطبيقيApplied Climatology))، وفي أدق التفاصيل والمستويات، فقد توج ذلك بظهور تخصصات دقيقة وفروع تعالج جوانب متعددة منها ما يدخل بالمناخ التفصيلي (Micro climatology) والمناخ المحلي (Local Climatology) والمناخ الديناميكي (Dynamic Climatology) والمناخ الشمولي (Synoptic Climatology) وهذه الفروع وغيرها تؤكد العلاقة بين علم الطقس والمناخ ومكونات البيئة والتي كلها توجد (تنمو ، تتطور ، وتزول) تحت تاثير الخصائص الطقسية والمناخية، وهذا ما هدفنا ونهدف التوصل له خلال الفصول والمباحث التي سيتم تناولها لاحقا